الغزالي
81
إحياء علوم الدين
وقال مطرف ، ما سمعت قط ثناء ولا مدحة إلا تصاغرت إلىّ نفسي . وقال زياد بن أبي مسلم ، ليس أحد يسمع ثناء عليه أو مدحة ، إلا تراءى له الشيطان . ولكن المؤمن يراجع . فقال ابن المبارك ، لقد صدق كلاهما . أما ما ذكره زياد ، فذلك قلب العوام . وأما ما ذكره مطرف ، فذلك قلب الخواص . وقال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « لو مشى رجل إلى رجل بسكَّين مرهف كان خيرا له من أن يثنى عليه في وجهه » وقال عمر رضي الله عنه : المدح هو الذبح . وذلك لأن المذبوح هو الذي يفتر عن العمل . والمدح يوجب الفتور . أو لأن المدح يورث العجب والكبر ، وهما مهلكان كالذبح ، فلذلك شبهه به فإن سلم المدح من هذه الآفات في حق المادح والممدوح ، لم يكن به بأس . بل ربما كان مندوبا إليه ولذلك أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصحابة فقال [ 2 ] « لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالم لرجح » وقال في عمر [ 3 ] « لو لم أبعث لبعثت يا عمر » وأي ثناء يزيد على هذا ؟ ولكنه صلى الله عليه وسلم قال عن صدق وبصيرة وكانوا رضي الله عنهم أجل رتبة من أين يورثهم ذلك كبرا وعجبا وفتورا . بل مدح الرجل نفسه قبيح لما فيه من الكبر والتفاخر . إذ قال صلى الله عليه وسلم [ 4 ] « أنا سيّد ولد آدم ولا فخر » أي لست أقول هذا تفاخرا ، كما يقصده الناس بالثناء على أنفسهم . وذلك لأن افتخاره صلى الله عليه وسلم كان باللَّه ، وبالقرب من الله ، لا بولد آدم وتقدمه عليهم . كما أن المقبول عند الملك قبولا عظيما إنما يفتخر بقبوله إياه ، وبه يفرح . لا بتقدمه على بعض رعاياه وبتفصيل هذه الآفات تقدر على الجمع بين ذم المدح وبين الحث عليه . قال صلى الله عليه وسلم [ 5 ] « وجبت » لما أثنوا على بعض الموتى . وقال مجاهد إن لبني آدم جلساء